محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ قال : غزوة تبوك . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا زكريا بن علي ، عن ابن مبارك ، عن معمر ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر : الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ قال : عسرة الظهر ، وعسرة الزاد ، وعسرة الماء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ الآية ، الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قبل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد أصابهم فيها جهد شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم ؛ يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحرث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن عبد الله بن عباس : أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة ، فقال عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ؛ فقال أبو بكر : يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع لنا قال : " تحب ذلك ؟ " قال : نعم . فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء ، فأظلت ثم سكبت ، فملؤا ما معهم ، ثم رجعنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . حدثني إسحاق بن زيادة العطار ، قال : ثنا يعقوب بن محمد ، قال : ثنا عبد الله بن وهب ، قال : ثنا عمرو بن الحرث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نافع بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه : حدثنا عن شأن جيش العسرة ، فقال عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . . . أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا يقول تعالى ذكره : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الثلاثة الذين خلفوا . وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل ، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم . وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . فتأويل الكلام إذا : ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة ، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عمن سمع عكرمة ، في قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قال : خلفوا عن التوبة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، أما قوله : خُلِّفُوا فخلفوا عن التوبة حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يقول : بسعتها غما وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ بما نالهم من الوجد والكرب بذلك . وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ يقول : وأيقنوا بقلوبهما أن لا شيء لهم يلجئوا إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء يتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجيهم من كربه ، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله . ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته ،